الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

169

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ما تقدم في قوله : لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ [ فاطر : 30 ] . و الْمُقامَةِ مصدر ميمي من أقام بالمكان إذا قطنه . والمراد : دار الخلود . وانتصب دارَ الْمُقامَةِ على المفعول الثاني ل أَحَلَّنا أي أسكننا . و مِنْ في قوله : مِنْ فَضْلِهِ ابتدائية في موضع الحال من دارَ الْمُقامَةِ . والفضل : العطاء ، وهو أخو التفضل في أنه عطاء منّة وكرم . ومن فضل اللّه أن جعل لهم الجنة جزاء على الأعمال الصالحة لأنه لو شاء لما جعل للصالحات عطاء ولكان جزاؤها مجرد السلامة من العقاب ، وكان أمر من لم يستحق الخلود في النار كفافا ، أي لا عقاب ولا ثواب فيبقى كالسوائم ، وإنما أرادوا من هذا تمام الشكر والمبالغة في التأدب . وجملة لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ حال ثانية . والمسّ : الإصابة في ابتداء أمرها ، والنصب : التعب من نحو شدّة حر وشدّة برد . واللغوب : الإعياء من جراء عمل أو جري . وإعادة الفعل المنفي في قوله : وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ لتأكيد انتفاء المسّ . [ 36 ] [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 36 ] وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ( 36 ) مقابلة الأقسام الثلاثة للذين أورثوا الكتاب بذكر الكافرين يزيدنا يقينا بأن تلك الأقسام أقسام المؤمنين ، ومقابلة جزاء الكافرين بنار جهنم يوضح أن الجنة دار للأقسام الثلاثة على تفاوت في الزمان والمكان . وفي قوله تعالى في الكفار : وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها إيماء إلى أن نار عقاب المؤمنين خفيفة عن نار المشركين . فجملة وَالَّذِينَ كَفَرُوا معطوفة على جملة جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها [ فاطر : 33 ] . ووقع الإخبار عن نار جهنم بأنها لَهُمْ بلام الاستحقاق للدلالة على أنها أعدت لجزاء أعمالهم كقوله تعالى : فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ في سورة البقرة [ 24 ] وقوله : وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ في سورة آل عمران